الذهبي
371
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
قلت : هو مكان كان يحضر فيه وعظه الإمام المستضيء من وراء حجاب ، وتحضر الخلائق ، فكان يعظ فيه القزوينيّ مرّة ، وابن الجوزيّ مرّة . وقد روى عنه « مسند إسحاق بن راهويه » [ ( 1 ) ] أبو البقاء إسماعيل بن محمد المؤدّب البغداديّ . وروى عنه : ابن الدّبيثيّ ، ومحمد بن عليّ بن أبي سهل الواسطيّ ، والموفّق عبد اللّطيف بن يوسف ، وبالغ في الثّناء عليه وقال : كان يعمل في اليوم واللّيلة ، ما يعجز المجتهد عن عمله في شهر ، ولمّا ظهر التّشيّع في زمان ابن الصّاحب التمس العامّة منه يوم عاشوراء على المنبر أن يلعن يزيد فامتنع ، ووثبوا عليه بالقتل مرّات ، فلم يرع ، ولا زلّ له لسان ولا قدم ، وخلص سليما . وسافر إلى قزوين . قال : وفي أيّام مجد الدّين ابن الصّاحب صارت بغداد بالكرخ ، وجماعة من الحنابلة تشيّعوا ، حتّى إنّ ابن الجوزيّ صار يسجع ويلغز ، إلّا رضيّ الدّين القزوينيّ ، فإنّه تصلّب في دينه وتشدّد [ ( 2 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] هو تحت الطبع حاليا في دار الكتاب العربيّ ، بيروت ، بتحقيق السيد « محمد المفتي » . [ ( 2 ) ] وقال الإمام زكريا القزويني في آثار البلاد وأخبار العباد - ص 402 ) : حكي ( عن أبي الخير ) أنه كان في بدء أمره يتفقّه ، فأستاذه يلقّنه الدرس ويكرّر عليه مرارا حتى يحفظه ، فما حفظ ، حتى ضجر الأستاذ وتركه لبلادته ، فانكسر هو من ذلك ونام الأستاذ ، فرأى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول له : لم آذيت أحمد ؟ قال : فانتبهت ، وقلت : تعال يا رضيّ الدين حتى ألقنك ! فقال : بشفاعة النبيّ تلقّنني ! ففتح اللَّه تعالى عليه باب الذكاء حتى صار أوحد زمانه علما وورعا ، ودرس بالمدرسة النظامية ببغداد مدّة ، وأراد الرجوع إلى قزوين فما مكّنوه ، فاستأذن للحجّ وعاد إلى قزوين بطريق الشام . وكان له بقزوين قبول ما كان لأحد قبله ولا بعده . يوم وعظه يأتي الناس بالوضوء حتى يحصّلوا المكان . ويشتري الغنيّ المكان من الفقير الّذي جاء قبله . وما سمعوا منه يروونه عنه كما كانت الصحابة تروي عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم . وحكي أن الشيخ كثيرا ما كان يتعرّض للشيعة ، وكان على باب داره شجرة عظيمة ملتفّة الأغصان ، فإذا في بعض الأيام رأوا رجلا على ذلك الشجر ، فإذا هو من محلّة الشيعة ، قالوا : إن هذا جاء لتعرّض الشيخ ! فهرب الرجل ، وقال الشيخ : لست أقيم في قزوين بعد هذا ! . وخرج من المدينة ، فخرج بخروجه كل أهل المدينة والملك أيضا . فقال : لست أعود إلّا بشرط أن تأخذ مكواة عليها اسم أبي بكر وعمر ، وتكوي بها جباه جمع من أعيان الشيعة الذين أعيّن عليهم . فقبل منه ذلك وفعل ، فكان أولئك يأتون والعمائم إلى أعينهم حتى لا يرى الناس الكيّ .